الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
67
نفحات القرآن
الرئيسي الأبهر ) أكثر تناسباً مع مفهوم الآية ، لأنّه أراد أن يبيّن قرب اللَّه الشديد من الإنسان ، وهذا المعنى أقرب خصوصاً مع ملاحظة وجود وريدين في الرقبة . والتعبير بكلمة « حبل » يُشير أيضاً إلى أنّ المقصود ليس جميع أوردة البدن ، بل الرئيسة منها ، وكما عبر البعض حيث قالوا : بأنّ المقصود هو الأوردة التي لها منزلة الأنهار لا الجداول . وعلى أيّة حال فهذه الكلمة مشتقة من كلمة ( ورود ) أي بمعنى الوصول إلى الماء - التي لها تناسب واضح مع أوردة الدم . ومن هنا يعبر عن الأزهار بالورد ، أي الثمرة الأولى التي ترد من الشجرة « 1 » . « توسوس » : من الوسوسة والوسواس ، وهو بمعنى الصوت الهادىء الخارج من آلات الطرب ، والنداء والصوت الخفي ، والخواطر القلبية ، والتصورات الفكرية الخاطفة ، والأفكار غير المرغوبة « 2 » . وعلى أيِّ حال ، فعندما يحيط اللَّه تعالى بالخواطر الفكرية الخاطفة ، فإنّه لا يبقى مجالٌ للشك والترديد بأنّه سبحانه يحيط علماً بسائر أعمالنا وأفعالنا واعتقاداتنا . وتعبيره : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ، إضافة إلى كونه تحذيرا ، فهو ينزل علينا نوعا من السكينة الباعثة للأمل ، ونور هذا الأمل هو الذي ملأ جميع أجزاء وجودنا . أليس عجيباً أن يبتعد الإنسان من محبوبه بعد أن يعلم بأنّه أقرب إليه من نفسه ؟ من الذي يقاسمنا ألم هذه المصيبة عندما يكون المحبوب قريباً من الإنسان ولكن الإنسان يحترق بنار الهجران ؟ نحن أقرب قال من حبل الوريد * أنت قد هاجرت عنه وتوغلّت بعيد أيّها المالي قوساً من نبال * قَربُ الصيد وترمي للجبال ! !
--> ( 1 ) مفردات الراغب ؛ ومقاييس اللغة ؛ ولسان العرب ؛ وتفسير الميزان ؛ والفخر الرازي ؛ والقرطبي ؛ وفي ظلال القرآن وغيرها من التفاسير . ( 2 ) « وسواس » اسم مصدري ، و « الوسواس » بكسر الواو ذو معنى مصدري ، وقد تأتي الكلمة ( اسم فاعل ) أي الشيطان ، ( لسان العرب ) .